الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

51

مناهل العرفان في علوم القرآن

الحكمة الثالثة مسايرة الحوادث والطوارئ في تجدّدها وتفرقها ، فكلما جدّ منهم جديد ، نزل من القرآن ما يناسبه ، وفصّل اللّه لهم من أحكامه ما يوافقه . وتنتظم هذه الحكمة أمورا أربعة : أولها : إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته . كما قال اللّه تعالى في جواب سؤال أعدائه إياه . « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » في سورة الإسراء . وقوله « وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً » الخ الآيات في هذا الموضوع من سورة الكهف . أم كانت لغرض التنوّر ومعرفة حكم اللّه كقوله تعالى في سورة البقرة : « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ؟ قُلِ الْعَفْوَ » . « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ؟ قُلْ : إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ . وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ » . ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أوقات مختلفة ، وعلى نوبات متعدّدة ، حاكية أنهم سألوا ولا يزالون يسألون . فلا بدع أن ينزل الجواب عليها كذلك في أوقاتها المختلفة ، ونوباتها المتعدّدة . ثانيها : مجاراة الأقضية والوقائع في حينها ببيان حكم اللّه فيها عند حدوثها ووقوعها . ومعلوم أن تلك الأقضية والوقائع لم تقع جملة ، بل وقعت تفصيلا وتدريجا ، فلا مناص إذن من فصل اللّه فيها بنزول القرآن على طبقها تفصيلا وتدريجا . والأمثلة على هذا كثيرة ، منها قوله سبحانه في سورة النور : « إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ » إلى قوله سبحانه « أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » وهنّ عشر آيات نزلن في حادث من أروع الحوادث : هو اتهام السيدة الجليلة